زكريا القزويني

300

آثار البلاد واخبار العباد

لحفظتها بدون ذلك ، وهذا مع حفظي وظائف الصبيان في المكتب . فلمّا بلغت عشر سنين كانوا في بخارى يتعجّبون مني ، ثمّ شرعت في الفقه ، فلمّا بلغت اثنتي عشرة سنة صرت أفتي في بخارى على مذهب أبي حنيفة ، ثمّ شرعت في علم الطبّ وصنّفت القانون وأنا ابن ستّ عشرة سنة ، فمرض نوح بن نصر الساماني فجمعوا الأطباء لمعالجته فجمعوني أيضا معهم ، فرأوا معالجتي خيرا من معالجات كلّهم ، فصلح على يديّ ، فسألت أن يوصي لخازن كتبه أن يعيرني كلّ كتاب طلبت ففعل ، فرأيت في خزانته كتب الحكمة من تصانيف أبي نصر بن طرخان الفارابي ، فاشتغلت بتحصيل الحكمة ليلا ونهارا حتى حصلتها . فلمّا انتهى عمري إلى أربع وعشرين كنت أفكّر في نفسي أنّه لا شيء من العلوم لا أعرفه . إلى ههنا نقل الجوزجاني عن الشيخ الرئيس . وحكى غيره أن دولة السامانية لمّا انقرضت صارت مملكة ما وراء النهر لبني سبكتكين ، فلمّا ولّي السلطان محمود سعى الحسّاد إلى السلطان في حقّ أبي عليّ ، فهرب من بخارى إلى خراسان واجتمع بصاحب نسا فإنّه كان ملكا حكيما ، فأكرمه فعرّف أعداؤه السلطان انّه عند صاحب نسا ؛ فقال لوزيره : اكتب إلى صاحب نسا ان ابعث إلينا رأس أبي عليّ ! فكتب إلى صاحب نسا : ان كان أبو عليّ عندك فابعده سريعا ! وكتب بعد يوم على يد قاصد آخر ان ابعث إلينا رأس أبي عليّ . فلمّا وصل القاصد الأوّل أبعده ، فلمّا وصل الثاني قال : إنّه كان عندنا فمشى منذ مدّة ! فعزم أبو عليّ طبرستان خدمة شمس المعالي قابوس بن وشمكير ، وكان ملكا فاضلا حكيما ، فلمّا ورد طبرستان كان قابوس محبوسا في قلعة ، فأتى أرض الجبال مملكة آل بويه خائفا ، فورد همذان وقصد فصّادا يفصد الناس . فطلب يوما لفصد امرأة فلمّا رآها قال : الفصد لا يصلح لها ، وأبى . فطلبوا غيره فلمّا فصدها غشي عليها فقالوا لأبي عليّ : كنت أنت مصيبا فدبّر أمرها . فوصف شيئا من المقويات فصلحت ، فتعجّبوا من ذكائه وقالوا : إنّه طبيب جيد . ومرضت امرأة من بنات الملوك وعجز الأطباء عن علاجها ، فرآها أبو عليّ